التوريث الدعوي ( معالم على طريق الصحوة )
د. محمد موسى الشريف
الدعوة إلى الله ليست جهدًا فرديًا ينتهي بموت صاحبه، بل أمانة ممتدة عبر الأجيال، وهذا المعنى قرّره القرآن حين قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾، فالهداية هنا مشروع متواصل قائم على إعداد أئمة يحملون الرسالة بعد من قبلهم.
فالكتاب يبين أن من أعظم الخلل في العمل الدعوي أن ينشغل الداعية بالإنجاز الآني ويغفل عن صناعة من يحمل الفكرة من بعده مع أن الله سبحانه أثنى على من يعمل بمنهج الامتداد، كما في قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فالدعوة رابطة بين السابق واللاحق وليست جهدًا مقطوعًا. كما أن التوريث الدعوي الحقيقي لا يكون بتسليم الأسماء أو المناصب بل بتوريث الفهم والمنهج والهمّ وهذا ما فعله النبي صل الله عليه وسلم حين ربّى أصحابه فردًا فردًا، حتى قال : «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا»، فالدعوة تُورَّث علمًا وفهمًا وأمانة.
ويحذّر الكتاب من احتكار العمل الدعوي أو الخوف من بروز من بعدنا لأن هذا يناقض سنّة الله في التداول وقد قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، فبقاء الدعوة لا يتعلّق بالأشخاص بل بصدق المنهج واستمراره وأن أعظم ما يقدّمه الداعية لدعوته ليس ما ينجزه بنفسه فقط بل ما يتركه قائمًا بعده وأن تربية الجيل القادم على الإخلاص والفهم الصحيح والارتباط بالله هي الضمان الحقيقي لدوام الخير مصداقًا لقوله صل الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ… وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ».