تخطي للذهاب إلى المحتوى

الادارة التربوية في القرآن الكريم " جزء قد سمع "


د. نايف العصيمي


هذا الكتاب من الكتب المميزة التي تتحدث عن الادارة التربوية حيث انه يعطي للقارئ أفقًا مختلفًا في النظر إلى القرآن إذ لا يقدمه بوصفه كتاب مواعظ بل بوصفه منهجًا متكاملًا في إدارة الإنسان وتربيته وبنائه من الداخل ويُظهر أن أعظم صور الإدارة ليست تلك التي تضبط السلوك بالقوانين بل التي تُنشئ إنسانًا يراقب نفسه بنفسه ويستقيم لأنه يعلم أن الله يراه.

التربية في القرآن تبدأ من القلب لأن القلب هو مركز القرار فإذا صلح القلب انضبط السلوك دون حاجة إلى رقابة دائمة ولذلك جاءت سور جزء قد سمع مركّزة على الإيمان والآخرة والمحاسبة والجزاء لتعيد ترتيب الإنسان من الداخل قبل أن تطال ظاهره ويلفت الدكتور النظر إلى أن القرآن يربّي الإنسان على الشعور بالمسؤولية الفردية و يجعله مدركًا أن كل عمل محسوب وكل تقصير له أثر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ وهذا أصل تربوي عظيم إذ يُنشئ إنسانًا واعيًا لا يحتاج إلى من يراقبه ليحسن التصرف ومن أعظم ما يبرزه الكتاب أن الإدارة التربوية القرآنية تعتمد على غرس الرقابة الإلهية كما في قوله تعالى:﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾

كما أن سور هذا الجزء تقوم على الوضوح والقوة في الخطاب بل رسائل مباشرة تهزّ القلب وتوقظ العقل مما يعلّم المربي أن الوضوح في التربية أبلغ وأن الرسائل القصيرة الصادقة قد تغيّر ما لا تغيره الخطب الطويلة. ويتناول الكتاب أسلوب الترغيب والترهيب بوصفه توازنًا تربويًا ضروريًا فالقرآن يجمع بين الوعد والوعيد حتى يبقى القلب بين الرجاء والخوف وهو أدعى للاستقامة والاستمرار. كذلك ومن الجوانب المؤثرة تأكيده على أن القرآن في هذا الجزء يعالج أمراض النفس مثل الغفلة والطغيان والتكذيب وحب الدنيا ويقدم علاجها التربوي عبر تذكير الإنسان بقصر الحياة وسرعة الحساب وحقيقة المصير فيتحرر من الوهم ويعود إلى رشده.

الإدارة التربوية القرآنية لا تكتفي بتقويم الفرد بل تعده ليكون عنصر إصلاح في مجتمعه لأن من صلح باطنه صلح أثره ومن استقام داخله انعكس ذلك على من حوله  وهنا رسالة مهمّة لكل مرب ومعلم وداعية وهي أن التربية ليست سيطرة ولا أوامر بل بناء وعي وصناعة ضمير وربط دائم بالله وأن أقوى أدوات المربي إحياء القلب.

القرآن قدّم نموذجًا فريدًا في الإدارة التربوية، نموذجًا يصنع إنسانًا مسؤولًا وواعيًا ومستقيمًا في السر والعلن وأن سور جزء قد سمع تمثل مدرسة مركّزة في تربية النفس.

وأخيرا، أعظم إدارة هي التي تجعل الإنسان يُحسن الاختيار حتى حين لا يراه أحد وأن القرآن حين ربى القلوب استقامت المجتمعات.